كتاب ومقالات

شبح الأميرة ديانا على عرش إليزابيث الثانية

كتبت / رنا جيرة الله 

قد كنت صغيرة حينها لكن الصخب كان كبيرا .. حادث يقلب الدنيا رأسا على عقب.. لم تكن ملامحها لتغيب ، دوما كانت تطل من بعيد .. كانت الملاك الحارس الذى يظهر في كل مناسبة ، كانت المقارنات تظهر لأنها ديانا .. وكانت التفاصيل تتعقد لأنها غائبة عن المشهد بينما روحها تظهر في الخلفية بابتسامتها ونظرة عينيها بالحزن الذى تمكن من قلبها فحررته من قسوة غياب الحب بأعمال الخير ، مدت يدها للناس فلم يرض الناس بصورة أخرى أو امرأة أخرى .. لقد أطلت الخيانة في كل صورة لتشالز بصحبة كاميلا ، لقد عقدت مقارنات بين الجاذبية والسحر وبين الخيانة والشر ، و كيف أن الجمال لا يكفى .. وأن للقلوب حسابات أخرى .. بين ملائكية الوجه والروح وبين التعاسة والبحث عن حبيب .. أى حبيب .. لقد كانت أميرة حقيقية لم تكن من عالم الحواديت .. لكنها ظلت أكثر حكاية مأساوية في كل قصص الأميرات .. لقد انهزمت سنوايت أمام .. لم تنتصر سندريلا على زوجة الأب الشرير لقد سحقها الأمير .. قلبها الذى أحب الدنيا كلها وأحب الناس رفضه الأمير .. وجدت نفسها على كثرة مهامها بحكم مكانتها تريد أن تهرب .. تهرب من كل ذلك لكى تصبح امرأة عادية .. امرأة سعيدة ..

في نفس العام الذى تزوجت فيه ديانا من تشالز في فبراير 1981، كان القدر يمنحهما زوجة الأمير هارى في أغسطس من نفس العام ولدت ميجان ماركل ، في نفس العام الذى تزوجت ديانا من رجلا لم يمنحها الحب ، فجاءت من ساعدت هارى على التخلص من كل القيود الملكية التى كسرت ديانا ، لقد كان كل ما تحتاجه ديانا أن تشعر بالحب .. امرأة تعيسة من لم تنل حظا من الحب.

هى التي رأت أن الحب ليس رجلا وامرأة ، بل فيض من المشاعر يساع البشر و يمنحهم ابتسامة تطيب جراحهم وتخفف أوجاعهم لأن الجروح لا تندمل إلا بمساعدة الآخرين ، ديانا التى تحدثت عن عملها مع مشفى برومبتون الملكى قائلة” أنها كانت تسافر على الأقل اربع مرات في الأسبوع وتقضى أربع ساعات مع المرضى، تمسك أيديهم وتتحدث إليهم. بعضهم سينجو والبعض الآخر سيموت لكنهم جميعا بحاجة للحب ما داموا موجودين هناك” كانت تحاول أن تكون هناك من أجلهم.

في ملعب بولو كانت شرارة الحب قد بدأت بين ملك محتمل وامرأة متزوجة اسمها كاميلا ، لكنها صمدت أمام كراهية بريطانيا كلها ، علاقة استمرت وانتصرت على الملكة بكل سطوتها وسيطرتها .. وانسحبت أميرة ويلز لأنها رأت أن إهانتها أكبر من أن تستمر في علاقة منتهية الصلاحية ، امرأة دونها في كل شيء انتصرت عليها في كل شيء .. امرأة فازت بالملك والمنصب ورضا العائلة الملكية لكنها خسرت مشاعر الناس ، لتظل زوجة ملك مغضوب عليها.. الماضى الذى لا نستطيع الهرب منه ، من قال أن الماضى يموت .. أو ننتصر عليه ، إنه لعنة تطارد أصحابها ، لقد رأى الناس أنها كانت سببا غير مباشر في وفاة ديانا .. سببا في الجنون ، في البحث عن حب حقيقي يعيد إليها كرامتها .. يحفظ لها هيبة الحضور السحرى ، يحفظ لها بقاءها أميرة في أعين الناس .. أميرة فقدت مكانها في البلاط الملكي لكنها ظلت ملكة في قلوب الناس ، لماذا تشابهت هذه القصة مع قصة الملكة فريدة والملك فاروق .. من أين جاء هذا التطابق؟! ، يبدو أن السعادة لا تحتضنها القصور و يحيط بجدرانها الجفاء والبٌرود.

ديانا ..ملائكية الملامح وشفافية الروح .. وهل كانت إلا امرأة احترمت عقائد الجميع وعادات الشعوب، فاحترمها الجميع وأحبها العالم ولم يعرفوا من أسماء الأميرات إلا الليدي ديانا .. تحدثت في اليابان باللغة اليابانية في تدريب استمر لأربعة أسابيع ، دخولها للجامع الأزهر بغطاء الشعر ، اهتمامها بمصابي الإيدز والسرطان والجذام وسعيها لإزالة الألغام الأرضية ، لقد كانت امرأة تحمل غصن الزيتون بينما دماؤها يغطى الأرض التى لم تتحمل هذا الفيض من الٱحساس سوى باحتضان دماؤها في حادث مأساوي ، من سعت لتضميد جروح الآخرين لم تجد من يمنحها ابتسامة تخفف عنها الوجع ، أو كلمة طيبة تمسح عنها ألم الوداع .

لقد قال تشارلز في أولى خطاباته بعد توليه المنصب “طوال حياتها ، كانت جلالة الملكة – والدتي الحبيبة – مصدر إلهام ومثال لي ولجميع أفراد عائلتي ، ونحن مدينون لها بأهم ديون يمكن لأي أسرة أن تدين بها لأمها.. ساكمل عمل والدتي وسابدأ مسيرتي في خدمة الشعب البريطاني وزوجتي كاميلا بجانبي”

لقد ذكرت في الخطاب كملكة متوجة وليست كامرأة خائنة أى عبث دنيوى نعيشه ،لقد علمتنا ديانا أنه مهما حاولت المرأة من أن تمنع التصدع والانهيار فإن الإعصار أقوى من أن نوقف آثاره ، وأنه قد يكون الحل الوحيد الذى لم نرغب فيه لكنه باب الخروج من النفق المظلم ، وأن المرأة لها أن تعلن خسارتها ، لقد أعلنت ديانا خسارتها أمام كاميلا ، أعلنتها رغم الجرح والوجع ، أعلنت أنها مثل أى امرأة عادية تتعرض للخيانة الطويلة من أجل أمل العودة قبل أن تصاب بخيبة الرحيل وفقدان الثقة في انتظار الغائبين ، أن الصبر الذى حملته في صدرها صار يقتل خلاياها ، وانتصرت كاميلا .

يبدو أنه تنتصر المرأة الشريرة غالبًا .. ليست كالقصص التى حلمنا بها .. الطيبيون لا ينتصرون .. لأن عاطفتهم عطلت كل طاقات الخدع والمكر .. ولأن عقولهم لم تفكر في الانتقام بل فكرت في الانسحاب النبيل .. فكان جزاؤها حادث لم يدين أحد .. بينما تنتصر الساحرة الشريرة وترتدى التاج ..

لقد أطلت ديانا دائما.. أطلت بوضوح في عصيان هارى عن التقاليد الملكية ، في زواجه من ميجان ماركل من عامة الشعب .. لقد كانت صورة ديانا حاضرة بل كان تمردها واضحا في أفعال هارى .. لقد كان انعكاس لروح ديانا الغاضبة ..ففى يناير عام 2020، عاد كل من ميغان وهاري إلى المملكة المتحدة من إجازة في كندا وأعلنا أنهما سيتراجعان عن دورهما كعضوين بارزين في العائلة المالكة ، لقد أرادت الحياة بلا رسميات .. بلا ضغوط ، لكن حتى هذه الأمنية كانت مستحيلة .. ليمنحها هارى أمنيتها ويجدد لها رغبتها وينفذها ، كأنه يقول أن امتداد الأحلام والرؤى مقبول ، وأن الأفكار تنتقل عبر أرواح الناس لتتمكن منهم وتنتصر لمن لم يستطيعوا .. ولم يفعلوا .. ولمن استسلموا ..

لقد توفيت ديانا في 31 أغسطس عام 1996 ، ليكون تنصيب كاميلا بعد أكثر 28 عاما زوجة الملك والملكة الرسمية ، يا لها من كلمة ثقيلة وأنا اكتبها الآن .. أن تنتصر الخيانة على مر السنوات .. أن يكون تنصيبه يوم السبت 10سبتمبر ك ملكا رسميا عن عمر يناهز 75عاما .. لكنها تظهر في الخلفية ،ديانا.. دوما هناك ذكر لهذا الاسم ، ظلت أيقونة رغم السنوات البعيدة .. لقد علمتنا قصة ديانا أكثر من كل الحكايات الأسطورية التى حفظناها و حولتها ديزنى على شاشات التلفاز ، لقد علمتنا أن السعادة لا تضمنها القصور ، وأن الحب لا يفوز به من يستحق أحيانا، وأن الاستسلام في بعض الحالات أفضل ؟! ، هل كان عليها أن تنتظر أن تفوز بقلب تشالز مع الأيام؟! ، علمتنا أن الكرامة تضيع في انتظار الحب من الطرف الآخر ، لقد قال الأمير فيليب، زوج إليزابيث، في رسالة إلى ديانا “كان تشارلز مخطئا بالمخاطرة بكل شيء مع كاميلا بالنسبة لرجل في منصبه. لا أستطيع أن أتخيل أن أي شخص في كامل قواه العقلية يتركك من أجل كاميلا”.

لقد علمتنا ديانا أنه مهما امتلكت المرأة من سحر خفى سيراه الجميع لكن لن يراه الزوج في صورة نراها كثيرا في كل مجتمع .. الزوج الذى يملك يعتاد الجمال مهما كانت جاذبيته ، ليس لنا أن نفهم أو أن نعلم الحكمة ليطل سؤال كيف كعلامة استفهام ليس لها إجابة ، لقد رحلت إليزابيث الثانية كما رحلت ديانا ، لكن بقيت القلوب لا تَحِن إلا لديانا..

print
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى