كتاب ومقالات

امرأة من رماد

بقلم الكاتبة السورية / رغد شفيق محمود
قلّبت تلك الصور بدمعة وغصة. هي عصفورةُ الجنة طفلتها الوحيدة رغد ترقد بسلامٍ في قبرها الصّغير بجوارِ شجرة التفاح . .
ليتك يا أبتاه لم تتناولْ تلك التفاحة لنهبط فيقتل بعضنا البعض ، ويوسوس لنا الشيطان بخبث .
عادت بها الذاكرة لتلك الليالي المشؤومة لتظهر صورة أستاذ القرية الحاج عمر، وكلماته لا تحرقوا أخشابَ السفينةِ سنغرقُ جميعاً. نعم غرقنا بالدماء والدموع وغدت بحاراً لا شواطئ لها.
قريتنا الوادعة الغافية على تلك الربوة الجميلة. وهي الممر الوحيد لعددٍ من القرى المتربعة على قمم جبال شامخة كعملاق يرقب بحنو ما حوله من سحر الخالق ..
بدأت الثورة الكاذبة إعلاماً فطلبَ الحاج عمر أن يغلقَ الجميع وسائل الإعلام. أيام وشهور والحبّ والحياة يصدحان عصافير من الهناء والخير، مسحتْ دمعتها لتتسلل ذكريات تلك الليلة السوداء ووصول مجموعة من الشبان الفارين من جيش البلادِ برفقة ثلة من الغرباء الملثمين بأقنعة تظهر عيون المكر والخداع. أيام والضغط على الحاج عمر لقطع الطريقِ بحجة أن تلك القرى لا تؤيد ثورتهم وجهادهم المقدس بزعمهم. وهو يرفض مردداً عبارته لا تحرقوا أخشاب السفينة سنغرق جميعاً.
قلبت بأناملها المرتجفة ألبوم الصور لتظهر صورة زوجها الحبيب خالد بابتسامتهِ المعهودة، فضح مخططاتهم واجتماعاتهم ومكامن الأسلحة. ليجده أهل القرية مقطع الأوصال في أحد أحراج القرية واتهام شباب القرى المجاورة بقتلهِ لإشعال نار الفتنة.
دمعة سقطت على صورة ساحة القرية حيث دعي الجميع لصلاة الفجر لتبدأ محاكمة الحاج عمر
وصراخ ذاك الملثم الغريب من يذبحك أيُّها الكافرُ فلهُ سبعون من الحورِ العين.
يجيبهم لن نسمح لكم بأخذ أعراضنا وشبابنا لساحاتكم وذبح أطفالنا لبناء قصوركم فوق جثثهم، سترافقكم لعنات العجز والأطفال وشرف النساء المستباح وأولاد لقطاء بلا نسبٍ ..
فيصرخُ من سيذبحك أيُّها الكافر. وفجأة تدحرج رأس الحاج عمر مغتسلاً بدمائه الطاهرة. نظر الجميع إلى تلك السكين اللامعة الّتي تتقطر دماً بيد ذاك الشيطان الغريب. وسادَ الخوف وعلا الصراخُ وظهرت سكاكينهم وخناجرهم التي حولتِ القرية إلى مسرحية مكتوبة بالدماء فهو الحبّ يتحوّل إلى حرب والسكينة إلى سكينٍ، أبطالها أولاد زناة جاؤوا من سراديب الموتِ وأدواتها أغبياء استسلموا لشهوة لن ينالوا منها سوى اللعنات والجحيم.
أحرقنا سفينتنا بأيدينا. أين إخوتي وزوجي وطفلتي الحبيبة المضرجة بدمائها وكرامتي وشرفي الذي استباحه الحثالة على مرأى من أشقاء يطمعون بالحور العين بقدر ما يشربون من دماء الأبرياء ويقطعون من رؤوس الأطفال ويغتصبون المحصنات، ويلقى بنا في خيام اللجوء.
هي ثورتهم بحرٌ هائجٌ الكل فيه هالك لا محالة , ويرحلُ أبطال المسرحية من الملثمين برفقة بعض الأوغاد إلى منطقة أخرى ليقدموا عرضاً جديداً لمسرحية جديدة فيغرقون سفينة جديدة ويشربون الخمر والنبيذ والدماء فوق نهود النساء من السبايا وما ملكت أيديهم الآثمة ويبصقون جيلاً من الأطفال اللقطاء بلا حسبٍ ولا نسب ..

 
 
print
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى