كتاب ومقالات

الصراع السورى … بين سندان ” البيت الأبيض ” ومقصلة ” الكرملين “

بقلم / محمد فخري جلبي
أن خيارات أي صراع تندمج ضمن منحيين ، أما المنحى الأول فهو خيار العنف وهو يولد بشكل بديهي العنف وطابع العنف يشكل أيقاعات المجريات السورية ، والمنحى الثاني فهو خيار المصالحة وهو يحفز للمصالحة وتلك هي المعادلة الغائبة عن الواقع السوري !! والسبب بسيط جدا فعندما تعربد الطائرات في سماء الوطن لترصد بشاشاتها الذكية حركات أصغر كائن حي لتنهي حياته فلن تجدي المصالحة كما ولن يستصيغ أحد الحديث عن تلك القفزة الغير عقلانية من مستنقع الدماء إلى طاولة الحوار . ويجدر الأشارة إلى فراغ الساحة الأقليمية لمن بمقدوره تشكيل عنصر توازن بين تناقضات النظام السوري وحلفائه ، وتضاربات المعارضة و تخاذل حلفائها . أما بالنسبة للنظام السوري وحلفائه الأشاوس فالحديث هنا ليس عن أسقاط محاولة أسقاط النظام السوري بشكل مجاني ، وتقديم يد العون للشعب السوري المستنزف دوليا بدافع أنساني ، ولكن هناك وراء الأكمة ماورائها !! فكل فريق ينفذ أجندته وبشكل فردي حيث قد تتقاطع المصالح مع الشركاء والأعداء في بعض الأوقات ولكن الهدف المباشر من المشاركة هو تحقيق الأهداف المرجوة منها . فالجانب الروسي على سبيل المثال وهو الصخرة العملاقة التي تسد الطريق بوجه عربة الخلاص السوري رأى من خلال الفوهة السورية الناشئة على أعقاب المظاهرات الشعبية ورد فعل النظام آنذاك مدخل أنقاذ للكرملين ومصباح علاء الدين الخرافي ، ليتمكن من خلال تأجيج ذاك الصراع بين الشعب والدولة من محاربة العدو الأفتراضي (الولايات المتحدة وشركاؤها الأوربيون ) وحسم الملفات الساخنة والتي أحتدمت مؤخرا بين الكرملين والبيت الأبيض خارج مناطق حدوده (كغزو جزيرة القرم ، ونشر أنظمة صواريخ دفاعية طراز إس-300 في إقليم أبخازيا في جورجيا ، وصد هجوم الناتو الشرس الساري كالطاعون على حدود روسيا الأتحادية ) .
وعلى ضوء تلك التطلعات عمد الكرملين ومنذ أنطلاق الشرارة الأولى للثورة السورية بأرسال جنرالات حرب إلى دمشق ، حيث قام هؤلاء بمنح النظام السوري الضوء الأخضر لأعلان المحرقة الكبرى تحت غطاء شبه دولي (روسيا الصين والدول التي تنطوي تحت لوائهم ) ، كما ويجب أدراك حقيقة بأن من مصلحة الكرملين ديمومة تلك الحرب الضروس وذلك من خلال عدة أساليب مثل الكر والفر في مجلس الأمن وتعطيل قرارات الأجتماعات الدولية في جنيف وغيرها . كما وفي سبيل أستدامة تلك الحرب إلى حين أنهاء جميع القضايا العالقة بين الكرملين والمجتمع الدولي تم توظيف عدة معطيات لسد أبواب أي مخرج لتلك المأساة البشرية . وهنا ينبثق سؤال منطقي وهو ماهية الدور الأمريكي أمام أندفاع الروس وتحقيقه مكاسب عملية تصب في مصلحة الكرملين ، وضمن هذا السياق بالذات هناك بعض المحللين الغوغائين يصفون تلك العلاقة بين الكرملين والبيت الأبيض المتفاوتة المزاج الغزلية التصاريح تارة والعدوانية تارة أخرى بالتعاون المشترك السري بين الفريقين وذلك من خلال الربط بين مجريات الأمور من ناحية والصمت الأمريكي من ناحية أخرى المفتعل تجاه الأجتياح الروسي للأراضي السورية . ومن المستغرب عدم فهم البعض حقيقة مطامع أبناء العم سام بالتغاضي عن دخول اللاعب الروسي رقعة الشطرنج السورية ، إلا وهي أستنزاف الجهد والأقتصاد الروسي في حرب طويلة الأمد على أمل أنهاك اللاعب الروسي في ساحة أقتتال تعج بالقنابل الموقوتة ، ليتمكن البيت الأبيض لاحقا في حال أنهزام الروس من أملاء وجهات نظرهم وتفعيلها بما يتجانس مع مصالح البيت الأبيض الحقيقة ، وهي عودة جزيرة القرم لأوكرانيا وخنق اللاعب الروسي داخل معاقله ليتم بالنتبجة أقصاءه خارج حظائر الشرق الأوسط المليء بالثروات ولكي تبقى الساحة الدولية مشرعة الأبواب أمام الخطط الأمريكية المستقبلية ، مما يدفعنا إلى واقع جديد وهو رغبة الولايات المتحدة بأطالة أمد الصراع السوري أيضا .
فالحرب السورية مصيرية وحتمية بالنسبة للروس والأمريكان وهي معركة كسر عظم بكل ماتحمله الكلمات من معنى ، فمن سيفوز هناك سيتمكن لاحقا من الأنفراد بالمحفل الدولي وبسط نفوذه ضمن معسكرات جديدة تتيح خلق أجواء عالمية تتناسب مع الأهداف والتطلعات الأيدلوجية المرسومة مستقبلا . فلا تنجر عزيزي المواطن السوري بأتجاه أستطلاعات الرأي والتحليلات الصحفية المخادعة حول قرب أنتهاء الأزمة ، فالمباراة الحقيقية هي بين الفريق الروسي والأمريكي واللاعبون على أرضية الملعب هم النظام وحاشيته وبعض أطراف المعارضة الوهميين ، حيث يدرك اللاعبون و منذ أنطلاق صافرة الحكم بخطة المدرب ويتم تنفيذها بحذافيرها وتتركز بسحق الفريق الأخر دون التطرق أو الألتفات لمقدار الخسائر البشرية وتدمير البنى التحتية للدولة السورية . وفي هذه المباراة أحتمال التعادل صفر فهناك عدة مقامرين راهنوا على الفريق الفائز ويقدمون جميع التسهيلات لتحقيق فوزه .
فالطرح أذا بأن الصراع السوري جاء نتيجة عدة صدامات دولية وقف فيها العالم على جرف الحرب النووية وكان لابد من إيجاد موقع خارجي لأنهاء تلك الصراعات وبأقل الخسائر بالنسبة للاعبين الأقليميين كأفغانستان فيما مضى .
ولقد شكلت الحاضنة السورية بيئة مواتية لتصفية الحسابات بين أولئك اللاعبين الدوليين بسبب وجود شرخ واسع بين فئات الشعب والطبقة الحاكمة وأرتهان بعض الجهات للسفارات الغربية والدولار .
ومايؤيد أتهاماتي لبعض أفراد المعارضة هو مهاجمتهم العلنية لبعضهم الأخر على ساحات التلفزة وفي كواليس الأجتماعات الدولية ، والنظام السوري لايحتاج إلى تزكية بموضوع الوطنية والأنتماء !!!
وأما حول جدلية علاقة المعارضة مع بعض الأطراف الدولية والعربية الداعمة فهي كرجل طاعن بالسن يرقص على صفيح ساخن دون أصغاء الأطراف الداعمة له لعويله وأستغاثاته ، فالتحدي الوحيد والأبرز الذي واجه قوات المعارضة وحال دون حسمها للمعركة هو طيران النظام السوري وحلفائه ولو شاء الداعمون الفعليين بترجيح كفة المعارضة على النظام لتم منحهم صواريخ مضادة للطائرات والتي كانت دائما الولايات المتحدة تقف عثرة أمام حصول المعارضة على تلك الأسلحة والهدف واضح لما تم ذكرناه سابقا .
مما لاشك منه بأن الخاسر الوحيد بتلك الحرب هو الشعب السوري الأعزل حيث بركان الأزمة ينفذ حممه بشكل دائم لرغبة الأطراف الخارجية المشاركة بتلك الحرب أستمرارها لتحقيق أهدافهم الحقيقة التي دفعتهم للمشاركة .
ومن خلال فهم ماسبق يتضح لنا بأن جوهر المشكلة أبعد مايكون صراع بين النظام والمعارضة ومن أجل تلك الحقيقة الجلية كلما أقترب أحد الفريقين من حسم الصراع ثار المجتمع الدولي لخلق هدنة جديدة يستطيع من خلالها الفريق الأخر التقاط أنفاسه . ومايثير الدهشة هو توجه البعض لربط العلاقة بين أسرائيل والبيت الأبيض والكرملين ، وعلاقة الأضداد بين البيت الأبيض بالمعارضة وعلاقة المصاهرة بين الكرملين وحزب الممانعة ليمنح مجمل تلك العلاقات المتقاطعة جو من التفاهم المشتركة بين اللاعبين جميعا من خلال علاقتهم المباشرة مع أسرائيل ، دون أن يدركوا بأن أسرائيل هي الرابح ضمن جميع الأحتمالات ومهما كان أسم الفائز !! والدليل حول فهم أسرائيل المعادلة هو أستقطاب جميع الأطراف ومايفضح تلك الأساليب هو الزيارات لبعض أفراد المعارضة للكيان الصهيوني ، ورسائل الغرام المرسلة من قبل بعض أعمدة النظام مثل رامي مخلوف وسماح دمشق للضباط الصهيانة بالأستجمام في الشؤاطىء السورية .

print
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى