الضباب.. رؤية روائية معاصرة للحركة الطلابية في سبعينات القرن الماضي

71 views مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 12 أكتوبر 2018 - 2:28 مساءً

بقلم : معتز محسن عزت

عند قراءتي لرواية (الضباب) للإعلامي حسن الشامي والتي تحمل في طياتها، ما يدور في الخلد قبل القراءة معاني عديدة لمغزاها وعند قراءتها من أول صفحة بل من أول كلمة نكتشف تماشي تعبيراتها مع بطل الرواية طاهر الزرقاني، وهو ينتظر نتيجة امتحانه في كلية الهندسة بأن هذا العام هو عام الحسم وما هو بهذا، لطول المشوار حتى التخرج المأمول.
هنا يمهد لنا حسن الشامي في روايته الاستعداد لتلقي المجهول تزامنًا مع عام الحسم لمصر عبر بيان الرئيس الراحل أنور السادات بأن عام الحسم هو العام 1971 الذي قارب على الظهور، ويمر عام الحسم بلا حسم دون أسباب واضحة المعالم !!
هكذا تتماشى الحياة الروائية مع حياة الوطن المسلوب جزءً عزيزًا من بقاعه الغالية ويطوف بنا عبر عالم الجامعة بكل رحابته الواسعة من تيارات وأيديولوجيات وتوجهات تتقابل في نقطة واحدة وهي تحرير البقعة الغالية التي ورد ذكرها في الديانات المقدسة وموطئ أقدام الأنبياء كقبلة ترحيب بالتوحيد كماركة مؤكدة على قداسة مصر الغالية.
تترائي لنا المشاهد الحارة الملتهبة مع حرارة الطقس في ذلك الوقت تحديدًا العام 1972 وهو العام الذي أعلن فيه الرئيس السادات أن عام الحسم مر بلا حسم بسبب الضباب الذي منعه من اقتناص النصر المنتظر !!
وهنا يدور الحوار بين طلاب الجامعة وقود الحركة الطلابية التي كشرت عن أنيابها بعودتها المجددة بعد حالة من الراحة والتراخي المنظم منذ خمسينيات القرن الماضي وذلك في العام 1968 تحديدًا يوم 8 مارس بخروج مظاهرات طلابية طالبت الرئيس عبد الناصر بسرعة المحاسبة لمن تسببوا في هزيمة 1967 المعروفة باسم (حرب الأيام الست)، ليخرج عليهم دون أي تأخير ببيان 30 مارس 1968 والذي تزامن مع إعادة بناء الجيش مجددًا والذي بدأ في 11 يونيو 1967.
هنا يوضح لنا الكاتب ثمار تلك الحركة الطلابية التي نضجت في مطلع السبعينات والتي بدأ فيها عصر جديد بطل مرحلته الرئيس السادات الذي واجه منذ يومه الأول في الحكم، المقارنة المستمرة بسلفه الزعيم عبد الناصر، وخاصةً في المطالبة المستمرة بالحرب المختزنة في رحم المجهول.
تراءت لنا تلك اللحظات بشكل روائي في الرواية القصيرة (النوفيلا Novella) والتي وضح عليها اللمسات الصحفية المصبوغة بالنكهة الأدبية وهو أسلوب يعرف في الأدب باسم (الأسلوب التلغرافي) ورائده الأديب الأمريكي الكبير إرنست همنجواي الحائز على نوبل للآداب سنة 1954 والذي تعرض في أعماله القصصية والروائية للحروب التي عاصرها وشارك بها، في مراحل حياته الغنية والتي أتسمت بطابع الثراء المختزل من أجل حبكة أدبية تناسب جميع العصور.
تسير الرواية بشكل انسيابي حول أركانها المحركة للأحداث من خلال طاهر الزرقاني طالب الهندسة الشاعر المثقف المجتهد، المتأمل المثابر من أجل نتيجة أفضل لا تعرف الندم والبكاء على اللبن المسكوب ويؤكد هذه التلابيب الفياضة في أبياته الشعرية التي تختزل ما يفكر فيه عبر التأدب والحكمة وكأنه يسير على نهج الإمام الشافعي الذي أختزل الإجابات الفقهية في الصور الشعرية، كنوع من التجديد للتغلب على التقليد والمعتاد.
تأكد هذا المعنى في أبياته التي تقول :
“يا ذكرياتي السعيدة.. عودي إلي..
اغمريني من رأسي حتي قدمي..
املئيني نشوة وحنان..
واجعليني حرفًا من نور في كتاب الحياة الأبدي”..
هذا المفتتح يدخلنا في شخصية الزرقاني الطالب وعند التعمق في تلك الكلمات نشعر بمصريته الخالصة خاصةً في نهاية القصيدة التي تعانق التراث المصري القديم الذي يعج بالحكمة والإنسانية الشفافة وهو نوع يعانق مفتتح نص كتاب الموتى الذي استعان به توفيق الحكيم في رواية (عودة الروح) والتي كان لها مفعول السحر في مصر الحديثة بعد أن استنهضت بحكمة القدماء أي النظر للماضي بعيون الحاضر وهذا ما أتسم به طاهر الزرقاني على مدار الأحداث الروائية كما قال نص كتاب الموتى (أفق من آلامك وانهض لتواجه خصومك).
تتناوب الأحداث عبر شخصياتها ما بين محمد عبد العظيم، نعمات أمين، حنان سعيد، البرنس، أنهار والعديد من الطلاب الذين يتجرعون الألم والإخفاق لتأخر الفرج المأمول في اللحظات الضبابية التي أعلن عنها الحاكم والكل يواسي نفسه ما بين السخرية والتظاهر للتعجيل بالحرب.
هكذا اتضحت لنا تلك الملامح في الحوار الساخر ما بين محمد عبد العظيم وطاهر الزرقاني وباقي الزملاء وقت تأخر النتيجة المنتظرة في الكليات المختلفة مرددين :
الضباب وراء تأخر النتيجة !!
هكذا تلاحمت الرواية بحياة الأبطال مع دفتر أحوال الوطن وسط أشواك صلبة توحي بالمستحيل في تحققه وسط الأنات الخارجة من ثقافات مختلفة ما بين الأسطى حامد صاحب المطبعة الصديق لمحمد عبد العظيم والذي تعرض لقسوة غلق المطبعة لاتهامه بطباعة منشورات في الحقبة الستينية ضد الدولة والنظام، والتي تجعل الشخص يرضخ للاستسلام لكنه سار على نهج كتاب الموتى بنصيحة الأم إيزيس لحورس بأن يستمر في يقظته لمواجهة الخصوم مع اختلاف أشكالهم لمواجهة العراقيل التي توقف الوطن عن التقدم أمامًا.
تجسدت تلك اللحظة في صورة تعبيرية هامة وقت السعي لنشر بيان (اللجنة الوطنية العليا للطلاب) والذي أصر حامد على نشره رغم مرارة الماضي بناءً على طلب محمد عبد العظيم لمؤازرة ذلك الحلم الذي تكون كنُطفة ديمقراطية ناشئة لو أكتمل لها النجاح لكان لبلادنا شكل مختلف في السنوات التالية والعقود المتلاحقة والتي لم يكتمل لها التبلور لتضارب أفرادها نحو الشكل الأمثل لها، كما حدث لثورة 25 يناير 2011 وكأن الكاتب يستقريء الحاضر بعيون الماضي على نهج فرنسيس بيكون.
تطرق الكاتب بالطريقة الصحفية للمقدمات المجسدة لشرح المرحلة الفارقة في الفترة الضبابية، والتي رُسمت باقتدار على سياسة الرئيس الجديد المنتظر منه المزيد والمزيد وذلك في قصة الحب الوليدة بين ناصف لمعي ومايسة موسى وهما على شط النيل شاهد الحب التاريخي لقصص الحب المختلفة على مر الأجيال والعصور، وظهور شبح جديد على المجتمع يرتدي الزي الإسلامي بلحيته الكثيفة وهو يراقب المشهد لا بعين المعجب والمتمني لنفس اللحظة، بل بعين المُكفر والمصلح تماشيًا مع المرحلة الجديدة للديمقراطية الساداتية والتي أخرجت التيار الإسلامي بكافة مشتقاته من السجون من أجل عهد جديد يحل محل الماضي العصيب !!
تعددت قصص الحب في الرواية والمقصد منها أن الحب قائم بذاته حتى ولو في أحلك الظروف أي كما قال أبو العلا السلاموني (الحب في عصر الجفاف) أو كما أراد كاتبنا حسن الشامي أن يوضح مغزى الحب في هذه الفترة بأنه حب في وقت الضباب، مناصرًا له بالتعبيرات الفضفاضة التي تؤكد مدى قوة سنائه كالشمس الطاغية على انتشار الضباب في أوقات المحن.
تنوعت القصص الغرامية ما بين محمد عبد العظيم مع نعمات أمين، وطاهر الزرقاني مع حنان سعيد، وناصف لمعي مع مايسة موسى والقصة الغرامية غير المباشرة والتي توجت بالزواج وقت الإعداد للمعركة كصيحة أمل بين البرنس وأنهار في مدى التفاؤل حتى ولو بعيد المدى للتيار الوسطي الحائر في ظهوره منذ ثورة يوليو 1952 وحتى الآن في أن يحتل مكانه المناسب بين الأفئدة والعقول نحو وطن يهضم كافة الآراء والتيارات دون تعصب.
في ميت عقبة نكتشف في تحليل المكان عبر قاطنه طاهر الزرقاني، ملامحه وسماته الشعبية الريفية البسيطة التلقائية المتماشية مع الفطرة، ومسكنه الملائم لكل مسكن مصري بسيط جميل، يسأل الستر والعافية ولحظات الترقب في هذا الحي عند الإفراج عن الشيخ فرج الله إمام المسجد الكبير الوحيد بالحي والذي خرج من السجن في قضية الإخوان المسلمين أو مرحلة أقلمة الأظافر الثانية للجماعة في الفترة الناصرية سنة 1965 والمعروفة بقضية التنظيم السري التكفيري لسيد قطب.
في هذه اللحظة يشير لنا الكاتب بالطريقة الصحفية المختزلة والفنية الهامة ومضة تاريخية للتحول الجديد لمصر من الفترة الناصرية إلى الفترة الساداتية، أي التحول من اليسار إلى اليمين أو من المادية المفرطة البعيدة عن الروح إلى الروحانية الضيقة المفتقدة للعقل وهو لم يسبح كثيرًا في هذا المشهد بطريقة واسعة لكنه تماشى مع متطلبات المرحلة أي أختزلها في مشهد الملتحي الذي راقب لمعي ومايسة كنوع من التمهيد المختزن في أعمال قادمة تتماشى بالتوازي حول مصر في عهد السادات كومضة سينمائية روائية لما تدخره الأيام حتى ولو في جعبتها الكثير في الأيام القادمة.
هنا التوازي مع تتابعات المشهد القادم لسنوات قادمة في لحظات البحث عن الحسم المفقود في عام الحسم الذي مر بلا حسم والسخرية الواسعة التي تبادلها الطلاب عن تساؤلهم عن معنى (الضباب) وهنا شعر الطلاب بعجزهم عن التفسير ولكن كان من الممكن للكاتب أن يشرح هذا بخبرته الإعلامية عن معنى ما كان يقصده السادات والذي شرحه في خطبة من خطبه قائلاً :
“الضبابية هي مشكلة انعدام الرؤية نحو اتخاذ قرار المعركة في ظل انشغال أمريكا بتسليح باكستان والاتحاد السوفيتي الذي أنشغل عن تسليحنا بتسليح الهند في معركة كشمير ومن هنا تأتي الضبابية في المشهد الحالي”.
قد يكون للكاتب قصد في توضيح هذه اللحظة المبهمة، كنوع من أتساع دائرة المجهول واللحظة غير المتوقعة بأغلبية من فقدوا الثقة في إتيان الحسم المأمول وهنا قد يشير بالحبكة الصحفية إلى خطة التعتيم الإستراتيجي التي تُدرس حتى الآن في الأكاديميات العسكرية العالمية والتي تؤكد على عالمية السادات في التفكير الإستراتيجي والسياسي وهو ما كان ينقص ملحمة البناء والتجديد للقوات المسلحة في فترة جمال عبد الناصر التي كانت مبنية في معظم ملاحم الاستنزاف على الخطط الدفاعية والعسكرية البحتة التي تحتاج إلى نظرة إستراتيجية تخدع العدو في معرفة وقت المعركة.
هناك العديد من التصريحات التي قيلت من قواد الجيش في الفترة الناصرية منها شهادة الفريق محمد فوزي وزير الحربية، محيي الروح العسكرية في القوات المسلحة في أهم فترات إعادة بناء القوات المسلحة في حروب الاستنزاف التي أطلق عليها موشيه ديان مصطلح (الحرب الرابعة مع إسرائيل) والتي كان لها الفضل في وضع اللبنات الأولى لنصر أكتوبر 1973، قال في تصريح له :
“كان جمال عبد الناصر، قد أخذ قرارًا أوليًا ومبدئيًا في العبور الذي حدده يوم 7 نوفمبر 1970 ولكن كانت للأقدار أراء أخرى حيث لاقى ربه يوم 28 سبتمبر من نفس العام أي قبل لحظات العبور المنتظرة بشهر وبضعة أيام”.
خرجت الأقلام ما بين مؤيد ومعارض تجاه هذا التصريح مما جعل التأريخ نحو تلك الفترة متأرجحًا بين من هو صاحب الفضل في نصر أكتوبر؟ هل هو جمال عبد الناصر أم أنور السادات؟ّ !
هكذا كانت الأحداث في الرواية التي تلوح حول تلك الرؤية ولكن ليست بالطريقة التأريخية الجافة بل بالرؤية الروائية الأدبية التي تعرض لنا بفنية جميلة إرهاصات ما قبل النصر المستحيل، هذا ما وضح بشكل كبير في اجتماعات اللجنة الوطنية العليا للطلاب ولكن لم يفرد لها المساحة الواسعة الضرورية لشرح تفاصيل هذه اللجنة التي تجمع تيارات شتى، كان من الممكن أن يفرد لها مساحات جميلة تضفي على الرواية السبق في التأريخ لها قبل علم التاريخ.
إن الأدب هو طوق النجاة للتاريخ من النسيان وتحكم الأقوى في كتابة تفاصيله وبالتالي فالأدب وعاء جميل يحفظ الأصيل من النسيان والتناسي وهذا ما كان واضحًا للكاتب الذي كتب عن الحركة الطلابية التي وقع عليها الحظر التأريخي، ليأتي الأدب بفروسيته في تقليد التاريخ قلادة الجمال والإنصاف، في الكلام عن الحركة الطلابية التي تأسست على القوام اليساري على الرغم من عدم إنتماء الكاتب لليسار، لكنه بحسه الصحفي لعب دور الكاتب الموضوعي، الذي يعرض لنا على الطريقة الصحفية الحدث بحيادية تامة، ليكون القرار الحاسم للمتلقي ما بين الرفض والقبول.
هكذا وضحت لنا الأحداث هذا المقصد النبيل، في عرض الحلم الذي لم يكتمل في نموه (اللجنة الوطنية العليا للطلاب) وبيانها الرافض للضبابية في المشهد الوطني، تزامنًا مع رفض كُتاب مصر من مكتب توفيق الحكيم بالأهرام حيث كان معه في تلك اللحظة الفارقة نجيب محفوظ، وثروت أباظة، ويوسف إدريس وكتبوا بيانًا رافضًا لهذا البيان الرئاسي، كرد عملي على من يتهم المثقفين ببعدهم عن نبض الشارع.. فهاهو الحكيم ورفاقه يضربون المثل العملي في رد هذه التهمة الصعبة، وتكرر المشهد عبر المثقفين في مبادرتهم برفض الاستفزاز الإخواني وهم في السلطة بتحريك المياه الراكدة في وزارة الثقافة شرارة 30 يونيو 2013 والتي أتت بثمارها في بيان 3 يوليه الشهير في العام 2013.
تناثرت شخصيات الرواية من خلال نقطة الارتكاز في شخصية طاهر الزرقاني، ذلك الشاب الصبور كصبر أهل المحروسة في أوقات الشدائد والذي تزامن بتلابيب أحداثه مع الوطن ما بين الانتقال من كلية العلوم للهندسة حتى لا يستسلم لصدمة الحب الأول، ويسير ثابتًا مثقفًا قارضًا للشعر، جاعلاً من ومضاته التنويرية طوق نجاة من لحظات اليأس والألم، هذا ما أستلهمه من رواية (الشوارع الخلفية) لعبد الرحمن الشرقاوي نبض الأمل الأدبي في تاريخ مصر والعرب والتي تحدثت عن الحركة الطلابية العام 1935 والتي تعد مظاهراتها امتدادا لثورة 1919 وتفاصيلها عبر الرواية حررت فكره من قيود الحيرة بكتابته تلك الخاطرة :
(الإرادة أهم شيء في الدنيا.. تعطلت الجامعة عامين كاملين في كوبا واستطاعوا القضاء على الأمية هناك.. لا بد أن نضحي لنصل إلى ما نريد).
هنا الدمج بين الحركات الثورية في العالم بين الماضي والحاضر. تعتبر فترة أواخر الستينات والسبعينات فترة الاحتجاجات الشبابية ومصر من ضمن حزمة هذه الاحتجاجات من 1968 وحتى 1972 وهذا ما جعل طاهر الزرقاني يتأمل المشهد عن كثب حتى لا تفقد الحركة الوطنية للطلاب، مغزاها الحقيقي في إحداث التغيير المنشود وهذا ما أكده في استلهامه لأبيات الشاعر التركي ناظم حكمت :
“إذا لم أحترق أنا..
وإذا لم تحترق أنت..
وإذا نحن لم نحترق..
فمن ذا الذي يبدد الظلمات !”..
ظلت هذه الأبيات العالقة في ذهنه، هي الإلهام الأبدي طوال أحداث الرواية وفي ظل حبه لحنان، ذلك الغرام التعويضي من رحمات القدر عن حبه الأول والتي شجعته على المسيرة فيما يصبو إليه مع لحظات السجن التي تعرض لها عند إلقاء القبض عليه في الفجر من داخل الجامعة هو وزملائه، في نفس اللحظة التي تشاجر فيها مع محمد عبد العظيم وقت النقاش على سياسة (اللجنة الوطنية العليا للطلاب) ورنين كلمات الآباء أنهم لو أرادوا الحرب فليذهبوا للمعركة أو التعقل فهو أساس الوصول للحلول المرجوة، مما أدى لاتهامه بالجبن وإذ بلحظات السجن التي تسببت في انقطاع الإلهام عنه من خلال تعبير الكاتب : “أكثر من مرة حاول التعبير بالشعر كعادته.. فلم يفلح.. أحس أن الإلهام لا يأتي للإنسان المهزوم”..
لحظات الحياة بين جدران السجون، هي التي صنعت العظماء كغاندي، ومالكولم إكس، ومارتن لوثر كنج، وتشرشل، والرئيس السادات بطل تلك المرحلة، وبالتالي تصنع الفارق ببطل الرواية وهذا ما كان واضحًا في حواره مع حنان والبرنس والعديد من الأصدقاء واتخاذ القرار بالتطوع هو وبعض طلاب الجامعة.
هنا يأتي السؤال :
لم نسمع في السبعينات وقت الإعداد للمعركة أن هناك متطوعين من طلاب الجامعة للمعركة كما كان في حرب 1956 من خلال كتيبة طلاب جامعة القاهرة بقيادة جواد حسني، فهل أتى المؤلف بأدلة ملموسة عن تطوع الطلاب الجامعيين في السبعينات للجيش؟!
إن كان ذلك، فيحسب له إضافة معلومة جديدة لم نراها في الموسوعات والمراجع التاريخية، مما يعيد النظر في كتابة التاريخ الذي يتأكد لنا أنه علم وبحر متغير لا ثبات فيه كالعلوم والرياضيات.
لعل في لحظات السجن تحولات كبرى في حياته، حيث الرد العملي على اتهامه بالجبن، والتفكير العملي حول كيفية الوصول للعبور، وزيارة الطلاب له مرددين كلمات فيها صيغة غير مباشرة بالاعتذار مرددين : “نحن نستلهم منك الأمل والقدوة”.
هنا نرى الوجوه الأخرى من الحرب حيث الإيجابيات المجهولة التي لا نفقهها إلا عند وقوعها ومرحلة الإصابة من غارات العدو في وقت الإعداد للمعركة ومواجهته للموت والنحيب على أقرانه ومحاولة إنقاذهم والانتظار ليوم الحسم والذي تجسد في لحظات الاستعداد وكتم الأنفاس في شهر رمضان والسير على خطى التكتم للمصير الحتمي حتى لا تجهض اللحظة المأمولة، عبر الدراية الكاملة بالسياسة ومآربها.
تأكدت تلك المعاني وقت كتابته لأبيات شعرية مصرية قديمة من أربعة آلاف سنة في أول خطاب لحنان بعد التطوع في الجيش والتي تقول :
“لا شيء..
لا شيء يمكن أن يحول دوني
والوصول إلى حبيبتي على الشاطئ الآخر..
لا شيء..
حتى التماسيح الراقدة هناك..
لا يمكن أن تبقينا بعيدًا عن بعضنا..
سوف أذهب رغم كل شيء..
وسوف أسير على الأمواج..
بينما يطفو حبها فوق الماء
أحمل الأمواج إلى الأرض اليابسة..
تمتد تحت قدمي..
ويستحيل النهر إلى بحر غرام !!” ..
هنا يسير الكاتب في عباءة طاهر الزرقاني لعملية استنهاض الشخصية المصرية لحياتها كما فعل الحكيم في عودة الروح مؤكدًا لنا على معانقة الأدب للتاريخ نحو التنوير والتقدم للأفضل.
تستمر اللعبة الروائية حتى لحظات النصر والتحول الجذري في السعي للتميز من طالب متفوق إلى بطل في صفحات الخلود عندما شارك في لحظات العبور ورأى العلم مرفوعًا مبللاً بدموعه تلك الرمال كبلل الشوق للقاء الأرض المسلوبة طوال سنوات ست، لحظات درامية في أخر كلمات الرواية وهو يربط بين رفع العلم ولحظات التقدم لحنان ليخطبها من أبيها وكأنه يردد في وقت حمل السلاح :
“أستطيع أن أفوز بقلبك وأنا شامخ كالعلم المرفوع في لحظات التحول من عار الهزيمة إلى توهج النصر المبين”.
شعر بومضات نصر غرامه مع نصر الوطن في لحظات ملائكية توازي ما عرضه علي سالم في مسرحية (أغنية على الممر) لشخصية مسعد الدمياطي الذي جسده سينمائيًا الفنان القدير صلاح السعدني في وقت الاستشهاد يزف مرتين، مرة برداء الشرف الوطني ومرةً بمباركة طيف عروسته لحدثهما السعيد، وهو ما قام به الكاتب في الرواية حيث لحظات السعادة المزدوجة في رحاب الروحية الملائكية وهي اللحظات الفارقة في سجلات الحب والحرب على مر التاريخ في الأدب العالمي.
ولا يمكن أن نغفل اللمسات الجميلة في الرواية والتي تعبر عن مدى تقدير الكاتب للمرأة عبر أجيال مختلفة.. ما بين الأم والشقيقة والحبيبة والزميلة.. في لقطات مفعمة بالحيوية والإنسانية وكأنه يربط بين روايته ورواية (الشوارع الخلفية) لعبد الرحمن الشرقاوي التي جسدت أيضًا دور المرأة في مظاهرات 1935 وهي كلها أدلة تؤكد على دور المرأة في مؤازرة مصر بقضاياها المصيرية منذ الكفاح ضد الهكسوس وحتى 30 يونيو 2013 وسيظل الدور بارزًا متوهجًا في الأوقات التي تطالب الجميع بحماية بهية من الأنياب المحاطة حولها في كل الأوقات.

ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏

print
رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الحدث/ عينك على الحقيقة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.