الفلاح المصرى من الاستعباد الى عضوية النقابات ( 1- 5 )

 

 

دراسة تحليلية أعدها : اكرم هلال

 

لأن الفلاح المصري هو أوّل من زرع في التاريخ، وهو إلى الآن أكثر من يعاني، لأنه عاش مُشتَّتًا بين سِياط المماليك، وخراج العثمانيين، ونهب الإنجليز، وإهمال حكومةٍ تستغل اسمه للحكم وبيعه وبيع بلاده. كان القرار بإنشاء نقابة للفلاحين. وهذا من سنتحدث فية لاحقاً.

 

لكن لأننا نرى أن الفلاح المصري الذى إستطاع أن يبنى أهرام الجيزة في أوقات راحته، وحفر قناة السويس عنوة وسخره، وزرع القطن الذي إرتدت الملابس المصنوعة من نسيجه البشرية كلّها. كعمل يومى نستطيع أن نجزم أنة قادر على أن يصنع لنفسة أيضا نقابة مهنية تحمى حقوقة بين أصحاب المال والسلطة. بل يمكنه إختراق الصفوف حتى الوصول إلى القمة.

 

ان الفلاح المصرى ظلم منذ عهد الفراعنة فهو يعانى من مشكلات متشابه منذ ان عرفت مصر الزراعة من العصر الفرعوني وحتى اليوم. ولا تزال تتواصل عبر السنين ومنها على سبيل المثال الشكوى من رخص أسعار المنتج الزراعى، وتجاهل الحكومة لمطالبهم، حيث يعانى الفلاح من تجاهل الحكومة لمعاناته من نقص الأسمدة وعدم وجود دعم أو تسهيلات تمكنه من اقتناء المعدات الحديثة، وعدم تماشى دورة الرى مع متطلباته، ونقص المياه فى الكثير من المحافظات التى يمر بها نهر النيل والترع المتفرعة منه، الفلاح المصري رغم دوره الكبير والمتعاظم في الاقتصاد المصري فإنه إلي الآن لا يتمتع بأي من الميزات التي تقدم للفئات الأخري‏، ‏

 

ورغم أن الفلاحين في مصر يزيد عددهم عن ‏15‏مليون فإن الدولة لا توليهم الاهتمام الذي يستحقونه بل زادت من معاناتهم بإصدارها لقانون أجحف بهم مثال قانون ” العلاقة بين المالك والمستأجر ” في الأراضي الزراعية‏، ‏ وتلك الفئة المهمة لا يوجد تنظيم قانوني يجمع شملهم ويدافع عن مصالحهم‏، ‏ ولك أن تتخيل أن الفلاح لا تشمله مظلة التأمين الصحي أو الضمان الاجتماعي وكل فئات المجتمع معفاة بشأن شريحة الأعباء العائلية من الضريبة باستثناء الفلاح الذي نص القانون علي إعفائه في حدود ثلاثة أفدنة شريطة أن تكون الأرض مسجلة وبالنظر إلي عملية التسجيل للأراضي الزراعية لا تتجاوز‏10‏ في المائة من مجموع الأراضي الزراعية‏. ‏

 

لسنوات طويلة لم يقيم أحد الفلاح المصري وهو الذى أضرب عن العمل- في حفر قناة السويس. فبعد أقل من ستة شهور منذ كتبت جريدة “اسنرودنت” الإنجليزية في 15 يوليو 1861 “إن الفلاحين المصريين يسحبون سيرًا على الأقدام إلى بور سعيد، وقد ربط بعضهم إلى بعض كالجمال أو مثل قطعان العبيد”، كانت الانتفاضة التاريخية للفلاح المصري في يناير 1862، بالتمرد الذي قام به آلاف الفلاحين ضد السخرة، وقيامهم بالإضراب عن الحفر، والهروب المنظم -والمسلح- من الموقع، مما اضطر المستغلين إلى تحديد أجر (رغم ضآلته) للفلاحين، والتحسين النسبي لمعيشتهم وخاصة بالنسبة لمياه الشرب.

 

ثورة “همام” – ضد المماليك

 

استمرت هذه الثورة الفلاحية المسلحة في صعيد مصر لأكثر من ثلاثين عامًا، وهي رافعة شعار “مصر للمصريين والأرض للفلاحين”.

 

ورغم الأصول الأعرابية “لهمّام” -قائد هذه الثورة- إلا أن هدف حركته وتشكيل جيشها وامتزاج الأصول الفلاحية بالاعرابية طوال نضالها، يؤكد أنها صورة مشرقة وهامة للنضال الفلاحي المصري.

 

جمهورية زفتى – سنة 1919

 

أعلن الفلاحون والمثقفون الوطنيون -أثناء ثورة 1919- الاستقلال عن السلطة وشكلوا مجلس وطني لحكم الإقليم وتسيير أموره وحمايته من القوات الإنجليزية والسلطة التابعة، لمدة وإن لم تكن طويلة بعدد الأيام، إلا أنها بطولية من ناحية الصمود الثوري في مواجهة الضغط والحصار.

 

ولقد كانت مجالًا للاستلهام والاحتذاء بها في بعض أقاليم محافظتي أسيوط والدقهلية طوال فترة النضال الوطني الشعبي عام 1919.

 

من التضحيات غير العادية التي قدمها الفلاحون المصريون في أسبوع واحد من مقاومتهم للاحتلال (من16-23 مارس 1919) والتي رصدها فيما يلي:

 

 1000 شهيد

 

 1600 مصاب

 

 7300 سجين سياسي

 

 149 حكمًا بالإعدام

 

وقبل ذلك. وبعد تواطؤ بعض كبار الملاك الزراعيين مع الاستعمار وخيانتهم للثورة العرابية، لم يجد عبد الله النديم -داعية الثورة وشاعرها ولسانها الشعبي- الحماية والأمان والقدرة على مواصلة النضال إلا في أحضان الفلاحين، الذين أُضطهد الكثيرون منهم بل وأُعدم بعضهم (مثل فلاح الغربية يوسف أبو ديّا) وهم مصرّون على حمايته وتمكينه من استكمال مسيرة الثورة بعيدًا عن أعين الأعـــداء.

 

وبعد ذلك. تواصل نضال الفلاحين وتضحياتهم في كافة المعارك ضد أعداء الوطن، ومن الأمثلة الأخيرة في هذا الشأن.

 

– الشهيد سيد زكريا خليل. الشاب الصغير الصعيدي الـذي أفنى -وحده بعد استشهاد باقي فصيلته- كتيبة كاملة من الصهاينة في حرب 1973.

 

الشهيد ميلاد العبيس -الفلاح الفقير من الدلنجات- الذي استشهد وهو يحاول عام 2002 العبور إلى أرض فلسطين الحبيبة ليشارك أخوته الفلسطينيين معركتهم المقدسة ضد العدو الصهيوني المدعوم أمريكيًا.

 

فإن التاريخ الحديث والمعاصر يؤكد أن الفلاحين. لم يكونوا وحدهم.

 

الثورة العرابية، تضع في صدر برنامجها:

 

– إلغاء السخرة التي يفرضها الباشوات الأتراك علـى الفلاحين.

 

– القضاء على احتكـار كبار الملاك لمياه النيل والتحكـم فيها.

 

– حماية الفلاحين من المرابين الأجانب.

 

ويؤكد عرابي انتماء ثورته للفلاحين، بل يطلق عليها “حركة الفلاحين”. والحزب الوطني (وخاصة في مرحلة قيادة محمد فريد له):

 

يتبنى قضية الفلاح، مدافعًا عن حقوقه، مطالبًا برفع الغبن عنه المتمثل في “تدهور مستوى معيشته نتيجة العائد الضئيل الذي يحصل عليه بعد مجهود شاق” مهتمًا بتشكيل الجمعيات التعاونية والنقابات الزراعية والمدارس الأهلية لأبناء الفلاحين.

 

وحزب الوفد:

 

يدعو عام 1935 إلى استصلاح الأراضي وتوزيعها قطعًا صغيرة على الفلاحين. ويقدم للفلاحين -في سنوات حكمه المحدودة- عددًا من الإنجازات الهامة، وخاصة بالنسبة للائتمان الزراعي ومجانية التعليم ومنع تملك الأجانب للأراضي.

 

والحزب الاشتراكي:

 

يرفع طوال عامي 1950-1951 شعار “الأرض لمن يفلحها”، ويتقدم نائبه في مجلس النواب (المهندس إبراهيم شكري) بمشروع قانون بتحديد الملكية بخمسين فدانا.

 

والعديد من الكتّاب والأدباء والشخصيات السياسية والقانونية والاجتماعية، تهاجم أوضاع الفلاحين -قبل 1952- مطالبة بضرورة حصولهم على حقوقهم الإنسانية مثل:

 

– الدكتور طه حسين، وكتابه “المعذبون في الأرض”.

 

– الدكتور عبد الرازق السنهوري، وكتابه “الإيجار”.

 

– الأستاذ خالد محمد خالد، وكتابه “من هنا نبدأ”.

 

– ولشدة ما كان “الأب هنري عيروط” واعيًا بأبعاد القضية، مدركًا لحلها الحقيقيي/ شجاعًا في طرح هذا الحل، حيث يكتب في كتابه/ المرجع “الفلاحون”. “إن الدولة مسئولة عن بؤس الفلاح، لأنها -وحدها- التي تستطيع علاج حالته، ولكن البرلمان والحكومة يتشكلان من كبار الملاك، ومن ثم يجب تغييرهم”.

 

ولقد تعاظمت حركة الفلاحين في الفترة من عام 1948 حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952، وتجسدت في معارك الفلاحين ضد الظلم والسخرة في “بهوت وكفور نجم وساحل سليم وميت فضالة والسرو ودراوة والبدارى ودرين وأبو الغيط”. والعشرات من قرى مصر شمالًا وجنوبًا. واستشهد في هذه المعارك والانتفاضات الكثيرون من القيادات المناضلة من أجل حق الفلاح في الحياة، سواء من الأجراء ومعدمي وفقراء الفلاحين أو من أبنائهم المثقفين، أمثال الشهداء، عناني عواد وغازي أحمد والمحامي عبد الحميد الخطيب. وأدى الوعي الطبقي التلقائي للفلاحين -المتزايد بقدر ما يعانونه من عسف واضطهاد- والذي ازداد إدراكا وإصرارا بدخول الفكر الاشتراكي والحركة اليسارية المصرية إلى كهوف فقراء الفلاحين والأجراء بعد الحرب العالمية الثانية، إلى قيام حركة نضالية فلاحية متسعة تستهدف استرداد حقوقهم الطبيعية في الأرض والكرامة والحياة الإنسانية.

 

الى اللقاء مع الجزء الثانى من الفلاح المصرى من الاستعباد الى عضوية النقابات ( 1- 5 )

 

print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *